عبد الجبار الرفاعي
68
محاضرات في أصول الفقه شرح الحلقة الثانية
2 - أخذ العلم بالحكم في موضوع حكم آخر مضاد له : وهذه الحالة مستحيلة ، ومثالها ما لو فرضنا دليلا يقول : إذا علمت بوجوب الحج عليك ، يحرم عليك الحج ؛ لأن وجوب الحج مضاد لحرمة الحج ، بينما في الحالة الأولى ، كان وجوب كتابة الوصية مخالفا لوجوب الحج ، وليس مضادا له ، مثلما هو الحال هنا ، واجتماع الضدين محال ، ولذلك فان هذه الحالة مستحيلة . وبعبارة أخرى : ان الأحكام التكليفية متضادة فيما بينها ، فاجتماع الوجوب والحرمة على متعلق واحد ( الحج ) يعني اجتماع الضدين ، ويلزم من ذلك التنافي في الواقع ؛ لأن التنافي بين الاحكام انما يعود إلى التنافي والتضاد بين ملاكاتها ، إذ ان ملاك الوجوب هو المصلحة الشديدة ، وملاك الحرمة هو المفسدة الشديدة ، ومما لا اشكال فيه ان موردا واحدا لا يمكن ان يتصف بالمصلحة والمفسدة الشديدة . قد يقال : انه ربما كان نظر القاطع ليس مصيبا للواقع ، أي انه يقطع بالوجوب ولكن الشيء ليس واجبا في الواقع ، أو يقطع بالحرمة بينما الامر ليس كذلك ، فلا يلزم من ذلك اجتماع حكمين متضادين في الواقع . لكن مع ذلك فإنه في مثل هذه الحالة أيضا الأمر محال ، لأنه يلزم اجتماع حكمين متضادين في نظر القاطع ، وهذا محال أيضا ؛ لأن من يقطع بالوجوب يقتضي القطع بعدم الحرمة ، والذي يقطع بالحرمة يقتضي ان يقطع بعدم الوجوب ؛ لأن القطع بأحدهما ينفي القطع بالآخر . من هنا لا يمكن أخذ العلم بالحكم في موضوع حكم آخر مضاد له ؛ لأن الأحكام الواقعية متضادة فيما بينها ، وعلى الأقل إذا لم يكن القطع مصيبا ، فإنه يلزم التنافي في نظر القاطع ، والتنافي في نظر القاطع محال .